التكنولوجيا والتقنية

/start

✍️ عالمنا 📅 مايو 12, 2026

كان عمرو بن العاص في بداياته رجلًا من دهاة قريش، حادَّ الذكاء، واسع الحيلة، لكنه كان يقف في الصف المقابل للدعوة التي جاء بها محمد. لم يكن عداؤه عابرًا، بل بلغ به الأمر أن سعى يومًا إلى ملاحقة المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة، محاولًا إعادتهم إلى مكة، وكأن القدر كان يهيّئه لدور أعظم من ذلك بكثير.
ومع مرور الزمن، لم يعد عمرو يرى في الإسلام مجرد دعوة عابرة، بل بدأ يلمح فيه قوة مختلفة، فكرية وروحية. كان رجلاً يفهم موازين القوة، ويقرأ التحولات، حتى جاءت اللحظة الفاصلة في قلبه، فقرر أن يترك خلفه كل ما كان عليه، ويتجه إلى المدينة المنورة ليبايع النبي ﷺ. هناك، مدّ يده مترددًا، يشترط أن يُغفر له ما مضى، فجاءه الجواب الذي بدّل حياته: “إن الإسلام يهدم ما قبله”. في تلك اللحظة، لم يدخل عمرو الإسلام فقط، بل دخل مرحلة جديدة من نفسه.
سرعان ما تحوّل هذا الرجل الذي كان يومًا خصمًا إلى واحد من المقرّبين، فقد رأى فيه النبي ﷺ عقلًا استثنائيًا لا يُستهان به. ولم يكن غريبًا أن يكلّفه بقيادة غزوة ذات السلاسل، رغم وجود كبار الصحابة، في إشارة واضحة إلى الثقة التي حازها. كان عمرو يقاتل بعقله كما يقاتل بسيفه، يعرف متى يتقدم ومتى يتراجع، وكيف يحفظ رجاله ويحقق الهدف.
ومع الأيام، صار حب النبي ﷺ يسكن قلبه مكان ذلك العداء القديم. وقد عبّر عن هذا التحول بصدق مؤثر حين قال إنه لم يكن أحد أبغض إليه من رسول الله، ثم ما لبث أن أصبح أحب الناس إليه، حتى إنه كان لا يملأ عينيه منه إجلالًا وهيبة. إنها رحلة نفسية عميقة، من أقصى الرفض إلى أسمى درجات القرب.
اشتهر عمرو بلقب “داهية العرب”، ولم يكن هذا اللقب مبالغة، بل وصفًا دقيقًا لرجل عرف كيف يدير المواقف المعقدة بدهاء وحكمة. وبعد وفاة النبي ﷺ، استمر أثره، فكان من كبار القادة الذين حملوا راية الإسلام، حتى ارتبط اسمه بإنجاز عظيم حين أصبح فاتح مصر في عهد عمر بن الخطاب، حيث أسس مدينة الفسطاط وبنى فيها مسجدًا صار منارة للعلم والعبادة.
لكن أكثر ما يلامس القلب في قصة عمرو ليس دهاءه ولا انتصاراته، بل تلك اللحظات الصادقة في آخر حياته، حين وقف يتأمل ماضيه، مستعرضًا مراحله الثلاث: عداوة شديدة، ثم إسلام صادق، ثم خوف ورجاء فيما ينتظره عند الله. كان يدرك أن العبرة ليست بالبداية ولا بالنهاية الدنيوية، بل بما يُختم به


✍️ الكاتب: نوح

هل كان المقال مفيداً؟
مشاركة تغريد إرسال

عالمنا

الأغنياء يفكرون في النمو… غيرهم يفكر في الصرف.

اقرأ أيضاً

◀ المقال السابق

الام نبع الحياة وسر الحنان

المقال التالي ▶

قصة النبي آدم عليه السلام

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يشارك رأيه!