كل شيء حين يتجاوز حدّه ينقلب إلى ضدّه، وهذه واحدة من أعمق حقائق الحياة. فالمبالغة، مهما كان نوعها، تحمل في نهايتها شعورًا خفيًا بالندم؛ لأن الإنسان حين يفرط في العطاء، أو الغضب، أو الثقة، أو حتى الحب، يكتشف متأخرًا أن الاعتدال كان أكثر حكمة وأمانًا.
المبالغة تبدأ غالبًا بنية صادقة أو اندفاع عاطفي، لكنها تنتهي بتعب نفسي أو خيبة أمل. فالشخص الذي يبالغ في التعلق قد يؤذي نفسه حين لا يجد المقابل الذي توقعه، والذي يبالغ في التضحية قد يشعر يومًا أنه أهمل ذاته من أجل من لا يقدّر، وحتى المبالغة في القسوة أو العناد تترك وراءها خسائر يصعب إصلاحها.
الاعتدال ليس برودًا كما يظن البعض، بل هو نضج. أن تعطي دون أن تستنزف نفسك، وأن تحب دون أن تفقد كرامتك، وأن تثق دون أن تُغلق عينيك عن الحقيقة. فالحياة لا تُبنى على الإفراط، لأن كل مبالغة تحمل داخلها بذرة الندم.
كم من شخص ندم لأنه بالغ في ردّة فعله، فقال كلامًا لم يكن يقصده؟ وكم من إنسان بالغ في اهتمامه بمن لا يستحق، ثم عاد يلوم قلبه على صدقه؟ بل حتى الفرح المبالغ فيه أحيانًا يجعل الصدمة أقسى، والتوقعات العالية تجعل الخيبة أكثر ألمًا.
الإنسان الحكيم هو من يعرف حدود الأشياء؛ فلا يندفع بلا تفكير، ولا يمنح كل ما لديه دفعة واحدة. لأن المشاعر حين تُدار بعقل، تدوم بسلام، أما حين تقودها المبالغة، فإنها غالبًا تنتهي بخيبة أو ندم.
وفي النهاية، لا تؤلمنا الأشياء دائمًا، بل تؤلمنا مبالغتنا فيها. لذلك كان التوازن أجمل أساليب العيش، وكان الاعتدال حماية للقلب والعقل معًا. فكل ما زاد عن حدّه… تحوّل يومًا إلى ندم.
✍️ الكاتب: Mimi
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يشارك رأيه!